عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
426
اللباب في علوم الكتاب
قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 126 ] وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ( 126 ) « هذا » إشارة إلى ما تقدّم تقريره ، وهو أن الفعل يتوقّف على الدّاعي ، وحصول تلك الدّاعية من اللّه - تبارك وتعالى - فوجب كون الفعل من اللّه - تعالى - ، وذلك يوجب التّوحيد المحض ، وسماه صراطا ؛ لأن العلم به يؤدّي إلى العلم بالتّوحيد الحق . وقيل : « هذا » إشارة إلى الّذي أنت عليه يا محمّد طريق ربّك ودينه الذي ارتضى لنفسه ، مستقيما لا عوج فيه وهو الإسلام . وقال ابن مسعود - رضي اللّه عنهما - و « هذا » إشارة إلى القرآن الكريم « 1 » . قوله - تعالى - : « مستقيما » حال من « صراط » والعامل فيه أحد شيئين : إمّا « ها » لما فيها من معنى التّنبيه ، وإمّا « ذا » لما فيه من معنى الإشارة ، وهي حال مؤكدة لا مبيّنة ؛ لأن صراط اللّه لا يكون إلّا كذلك . قال الواحدي « 2 » : انتصب « مستقيما » على الحال ، والعامل فيه معنى هذا ، وذلك أن « ذا » يتضمّن معنى الإشارة ؛ كقولك : هذا زيد قائما ، معناه : أشير إليه في حال قيامه ، وإذا كان العامل في الحال معنى الفعل لا الفعل ، لم يجز تقديم الحال عليه ، لا يجوز : « قائما هذا زيد » و [ يجوز ] ضاحكا جاء زيد . ثم قال تبارك وتعالى : قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ أي : ذكرناها فصلا فصلا ، بحيث لا يختلط واحد منها بالآخر ، وقوله : « لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ » . قال ابن الخطيب « 3 » : فالّذي أظنه والعلم عند اللّه أنه - تبارك وتعالى - إنّما جعل مقطع هذه الآية الكريمة هذه اللّفظة ؛ لأنّه تقرّر في عقل كلّ واحد أن أحد طرفي الممكن لا يترجّح على الآخر إلّا لمرجّح ، فكأنّه - تبارك وتعالى - يقول للمعتزليّ : أيها المعتزليّ ، تذكّر ما تقرّر في عقلك أن الممكن ؛ لا يترجّح أحد طرفيه على الآخر إلّا لمرجّح ، حتّى تزول الشّبهة عن قلبك بالكلّية في مسألة القضاء والقدر . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 127 ] لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 127 ) قوله - تعالى - : لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ يحتمل أن تكون هذه الجملة مستأنفة ، فلا محلّ لها ؛ كأن سائلا سأل عمّا أعدّ اللّه لهم ، فقيل له ذلك ، ويحتمل أن يكون حالا من فاعل « يذّكّرون » ، ويحتمل أن يكون وصفا لقوم ، وعلى هذين الوجهين فيجوز أن تكون الحال أو الوصف الجارّ والمجرور فقط ، ويرتفع « دارُ السَّلامِ » بالفاعليّة ، وهذا عندهم أولى ؛ لأنه أقرب إلى المفرد من الجملة ، والأصل في الوصف والحال والخبر الإفراد ، فما قرب إليه فهو أولى .
--> ( 1 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 13 / 153 ) . ( 2 ) ينظر : الرازي 13 / 153 . ( 3 ) ينظر : الرازي 13 / 154 .